(مدارات: جمال بورفيسي): في سلوك لا يخلو من طيش.. تحركت الآلة الدعائية الإيرانية بشكل مكثف ومُثير للتغطية على فشل النظام في التعامل مع الأحداث المتسارعة في المنطقة منذ مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني. لقد شكل مقتل الخبير العسكري الإيراني، الذين قاد بقبضة من حديد السياسة التوسعية للنفوذ الإيراني بالمنطقة الحدث الأبرز الذي ميز الساحة الإقليمية في الأسابيع القليلة الماضية.

مقتل مهندس ميليشيات طهران في المنطقة، وضع قادة النظام الإيراني في مأزق، إذ كان عليهم، تحت الضغط المتنامي للشارع الإيراني، أن يبادروا بالرد انتقاما لسليماني. وبالفعل وكما كان منتظرا توعد قادة النظام بالرد “المدمر”، متوعدين الولايات المتحدة بالثأر لسليماني… ما حدث بعد ذلك هي سلسلة من الأحداث الدراماتيكية اختلطت فيها المأساة بالملهاة. أطلقت عناصر الحرس الثوري سلسلة صواريخ أرض في تجاه قاعدتين أمريكيتين بالعراق(عين الأسد وأربيل) ، لم تخلف أية خسائر بشرية حسب تصريح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، فيما ادعى إعلام النظام الملالي أن 80 “إرهابيا أمريكيا” قُتلوا في الهجوم الصاروخي بالعراق، كما لحقت أضرار جسيمة بطائرات “هليكوبتر” أمريكية. لم نر جثثا لجنود أو مواطنين أمريكيين… ويبدو أن الصواريخ الإيرانية تاهت في أماكن خالية… لأن المخابرات الأمريكية كانت على علم بالرد الإيراني، وحسبت لذلك ألف حساب، وهو ما يؤكد غياب الخسائر البشرية في صفوف الأمريكيين…

من جهة إيران، اعتقد الساسة أنهم نجحوا في امتصاص غضب الشارع الإيراني، وهللوا للرد القوي والمُزلزل… لكن ذلك لم يدم طويلا… فقد عرت كارثة تحطم الطائرة الأوكرانية تخبط الحرس الثوري، والخطأ البشري القاتل الذي ارتكبه، بعدما فضحت  مصادر  استخباراتية أجنبية، ومنها المخابرات الأمريكية، أن صاروخا إيرانيا هو الذي تسبب في إسقاط الطائرة، لتنضاف أرواح ما يقرب من مائتي إيراني إلى روح قاسم سليماني الذي قضى في هجوم جوي أمريكي…

بمنطق الربح والخسارة، يبدو أن إيران فشلت في كسب رهان استعراض عضلاتها العسكرية أمام الولايات المتحدة الأمريكية، لأن أقصى ما قامت به هو إطلاق صواريخ لم تحقق أي هدف… بل كان عملا يروم امتصاص  غليان الشارع الإيراني الذي ثار ضد مقتل الجنرال سليماني. ميدانيا، لم تنتقم إيران لمقتل جنرالها، بل تسببت في مقتل عدد كبير من مواطنيها في هجوم غادر بصاروخ في لحظة ارتباك وتخبط…

بعدها، تحول غضب الشارع الإيراني نحو قادة النظام… بعدما اكتشفوا سلسلة الأخطاء التي وقع فيها الحرس الثوري… والتضليل الذي مارسته الآلة الدعائية الإيرانية التي ادعت أنها انتقمت للجنرال المقتول… وصمتت طويلا حول كارثة تحطم الطائرة الأوكرانية… قبل أن ترضخ للحقيقة وتعترف بمسؤولية الحرس الثوري في إسقاطها…  لم تقتل إيران جنديا أمريكيا واحدا بعد مقتل رئيس فيلق القدس، بل لجأت إلى التضليل الإعلامي لا أقل ولا أكثر، في محاولة لجبر النفوس الغاضبة في إيران… لكنها تلقت سهام الارتداد، إذ خرجت حشود من الطلاب في جامعات إيرانية، في مظاهرات للتنديد بمقتل الإيرانيين في حادث إسقاط الطائرة الأوكرانية.

وشارك المئات من الطلبة في جامعتي بهشتي والعلامة الطباطبائي في طهران، في مظاهرات صاخبة تنديدا بمقتل عشرات الإيرانيين في حادث إسقاط الطائرة الأوكرانية، رافعين شعارات تندد بالصمت المريب للمسؤولين جراء حادث إسقاط الطائرة وتأخرهم في الإقرار بالحقيقة…