مدارات(جمال بورفيسي): هناك عدد متزايد من المتتبعين للشأن السياسي الوطني، والغيورين على دمقرطة العملية الانتخابية بالمغرب، ممن يتساءلون عن الجدوى السياسية والأخلاقية في الاستمرار في اعتماد عبث” الكوطا” داخل المؤسسة التشريعية، حيث 90 من ” النواب” غير منتخبين، بل يتم تعيينهم وإسقاطهم من فوق  القيادة الحزبية، مما يجعل المؤسسة المنتخبة تفقد مصداقيتها وتتحول ” جزئيا” إلى مؤسسة تستقطب نسبة كبيرة من الأشخاص المُعينين الذين لا يخوضون غمار التنافس الانتخابي  ولا يمتلكون، بالتالي، أية شرعية انتخابية ، بل هم أشخاص فُرضوا على  البرلمان وتم إقحامهم في مؤسسة من المفترض أن  تكون منتخبة مائة في المائة…

مع توالي نضج الممارسة السياسية بالمغرب، وبعد تجارب انتخابية امتدت على مدار ستة عقود من الزمن، ينتصب السؤال حول مبررات “التلفيق” الانتخابي، الذي يجعل البعض يلجون قبة البرلمان دون شرعية انتخابية، وعددهم 90 بالتمام والكمال. وإذا كان ثمة مبرر يمكن  استيعابه وهضمه نسبيا لإقحام النساء داخل السلطة التشريعية عبر آلية الكوطا، لأسباب موضوعية تتعلق باستمرار الهيمنة الذكورية في المجتمع واللامساواة القائمة بين الرجل والمرأة، وتخلف ذهنية الناخبين، الذي يفضلون التصويت على  المرشحين الذكور، فإن ابتداع آلية كوطا الشباب كان خطأ سياسيا جسيما، لأنه لا معنى لتصنيف المرشحين لعضوية  مجلس النواب، حسب معيار الشباب والكهول ، هذا أمر عبث، لأن المعيار الوحيد الذي ينبغي اعتماده هي الشرعية الانتخابية، وليس معيار السن، لذلك ينبغي مراجعة نظام الكوطا والقطع معه خلال الانتخابات التشريعية المقبلة.

لم ولن يكون هناك مبرر لاعتماد كوطا الشباب، ولا كوطا الكفاءات، في انتخابات 2021، فالكل مطالب بخوض غمار التنافس الانتخابي. وإذا كان ثمة من يرغب في اقحام من هم أقل من 35 سنة، فهذه مسؤولية الأحزاب، أولا وأخيرا، التي ينبغي أن تدفع بالشباب إلى المعترك الانتخابي، ولا يقتصر اختيارها على أصحاب المال والجاه. في الحقيقة تمارس الأحزاب نوعا من الانتهازية، إذ ترغب في ضمان مقاعد انتخابية عن طريق منح التزكيات للوجهاء والأعيان، وتطالب، في الوقت نفسه، بكوطا شبابية تسعى من ورائها إلى ضمان مقاعد إضافية عن طريق التعيين.

إن العملية الانتخابية يجب أن تبقى مفتوحة يتبارى فيها الجميع صونا لسمعة ومصداقية المؤسسة المنتخبة.

إن منح العملية الديمقراطية المزيد من الشفافية يقتضي القطع مع “الريع” الانتخابي، ومنح الكلمة الأولى والأخيرة لأصوات الناخبين.

من هذا المنطلق، ينبغي دعم المبادرات الهادفة إلى تجاوز آلية الكوطا ونسف الأطروحة الهشة والمُضللة لداعمي الريع، فالشباب لا يضيفون شيئا للبرلمان لمجرد أنهم شباب.

إن رفع مستوى النقاش السياسي داخل القبة غير مرتبط بالأعمار ولا بالشهادات المحصل عليها، بل بالوعي السياسي للأشخاص وكفاءتهم  وخبرتهم في العمل الميداني  وقدرتهم على طرح الأسئلة والقضايا التي تهم الرأي العام…