أجرى موقع ( مدارات) حوارا خاصا مع السيد محمد فضيلي، عضو المكتب  السياسي لحزب الحركة الشعبية ونائب برلماني عن التنظيم نفسه،  على هامش الدخول السياسي الجديد وفي مايلي نص الحوار:

سيرخي خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2019 ، من دون شك، بظلاله على الدخول السياسي المقبل، خاصة في ما يتعلق بالتعديل الحكومي المرتقب وبالنموذج التنموي الجديد الذي طالب جلالة الملك محمد السادس بإعداد رؤية وتصور متكاملين بشأنه، ما رأيكم؟

فعلا، أحدث الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش رجة في المشهد الوطني ككل، لما يتضمنه من إشارات قوية تتمحور بالأساس حول البعدين السياسي والاقتصادي، منها ما يتصل بضرورة تطعيم الحكومة بكفاءات جديدة حتى يتسنى لها أن تتولى تدبير شؤونها بالنجاعة والفعالية المطلوبة عن طريق ضخ دماء جديدة في الجهاز التنفيذي، من خلال الاعتماد على كفاءات جديدة، أو في ما يتصل ببلورة النموذج التنموي الجديد الذي سيعهد مهمة إعداده للجنة سيتم تشكيلها لهذا الغرض.
لقد أشار الخطاب الملكي إلى محدودية تأثير المكتسبات التي تحققت ببلادنا على المواطن، مؤكدا أنه رغم المنجزات التي تحققت على مستوى البنيات التحتية وفي مسار ترسيخ الحقوق والحريات وتوطيد الممارسة الديمقراطية السليمة، إلا أن البنيات التحتية والإصلاحات المؤسسية لا تكفي وحدها، مبرزا أن آثار هذا التقدم وهذه المنجزات لم تشمل بما يكفي، جميع فئات المجتمع المغربي.
من جهة أخرى، أقر الخطاب الملكي بأن نموذجنا التنموي، أبان عن عدم قدرته على تلبية الحاجيات المتزايدة لفئة من المواطنين وعلى الحد من الفوارق الاجتماعية، ومن التفاوتات المجالية، وفي هذا الإطار، أعلن جلالته عن قراره بإحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، التي سيتولى جلالته تنصيبها في الدخول المقبل.
إن من شأن هذه اللجنة أن تسهم في تسطير الخطوط العريضة للنموذج التنموي المأمول، حتى يتمكن المغرب من تجاوز عثرات وسلبيات النموذج الحالي الذي استنفد أغراضه، ولا شك أن تركيبة اللجنة ستسعف في القيام بمهامها على النحو المنشود بالنظر إلى تركيبتها المتنوعة من حيث التخصصات المعرفية والروافد الفكرية، كما ورد في خطاب العرش، الذي نص كذلك على ضرورة مراعاة معايير الخبرة والتجرد، والقدرة على فهم نبض المجتمع وانتظاراته، واستحضار المصلحة الوطنية العليا، في اختيار أعضاء اللجنة، فالهدف كما قال جلالة الملك هو أن يلتحق المغرب بركب الدول المتقدمة، وهو هدف يتطلب حنكة ومهارة ومسؤولية كبيرة في العمل.

على المستوى السياسي، تحدث الخطاب الملكي عن ضرورة إدماج كفاءات جديدة في الحكومة والإدارة، وهو ما يستدعي تعديلا حكوميا، تجري الآن المشاورات بشأنه، ما هي وجهة نظركم بالنسبة إلى هذا الموضوع؟

التعديل الحكومي المنشود ينبغي أن يرتكز على أسس صحيحة وموضوعية تراعي الاستحقاق والإنصاف والكفاءة. ولنقلها صراحة، من غير المقبول أن ننتظر خيارات مبنية، مثلا، بالنسبة إلى زعماء الأحزاب على المحاباة والعلاقات الشخصية وتبادل المصالح.
يجب القطع مع تعيين المقربين واقتراح الوزراء على خلفية الزبونية والمصالح الشخصية، يجب التركيز على معيار التكوين السياسي والعلمي ومصداقية الفاعلين السياسيين. لا يمكن اختيار بروفايلات لا تتوفر فيها معايير الكفاءة العلمية والمعرفية والكاريزما والقدرة على التأثير والتدبير الجيد. يجب اقتراح حكومة يستحقها المغرب الوطن هو الهدف وليس الحزب.
إن خطاب العرش يتضمن إشارات قوية لمواجهة الركود السياسي الذي يعيشه المغرب. الأمر يتعلق بالحاجة الى دماء جديدة تضفي دينامية جديدة على عمل المؤسسات والإدارات، على رأسها الحكومة.

التعديل الحكومي المرتقب سيأتي في سياق مشهد سياسي رتيب مترهل وينتقده الجميع …؟

المشهد السياسي يعاني الكثير من الضبابية وعدم الوضوح. وثمة مشاكل وإكراهات بل وعثرات عشناها مع بداية تشكل حكومة سعد الدين العثماني. وذلك لم يحدث صدفة، بل ثمة مسؤولية مشتركة. هناك مسؤولية المواطن: في الانتخابات ألجماعية لسنة 2015، والانتخابات التشريعية لسنة 2016، لم يقم المواطن بما تمليه عليه روح المسؤولية على مستوى التصويت لاختيار من يمثله في المجالس المنتخبة. هناك عزوف مقلق عن المشاركة الانتخابية، وهو ما تكرسه نسبة المشاركة الضعيفة، هناك اخفاق، كان ثمة اضطرار لعملية الترقيع، لخلق حكومة تفتقد الانسجام وغير متكاملة وغير فعالة.
للخروج من هذه الإشكالية، هناك مدخلين، الأول يقتضي تكريس الوعي لدى المواطن بأهمية اللحظة الانتخابية وضرورة الانخراط فيها، بمعنى يجب اعتبار اللحظة الانتخابية مقدسة، لأنها تؤسس لمرحلة مستقبلية وترهن أجيال من المغاربة. هنا يجب التأكيد على ضرورة التعبئةلرفع منسوب المشاركة في عمليات التصويت والانخراط في العملية السياسية ككل. ينبغي معالجة ظاهرة العزوف.
المدخل الثاني مرتبط بالأول، حيث ينبغي العمل على جعل عملية التصويت إلزامية، على غرار تجربة بلجيكا التي أثبتت نجاعتها، حيث يعتمد هذا البلد الأوربي نظام الغرامات ضد العزوف عن التصويت.
إلى جانب ذلك، هناك نظام التصويت بالوكالة الذي تعتمده هولندا والذي أدى إلى رفع نسبة المشاركة الانتخابية إلى 65 في المائة.
هناك كذلك حاجة إلى إعداد قوانين انتخابية جديدة بما يواكب التحولات الجارية على أكثر من صعيد. هناك ضرورة لمراجعة القوانين الانتخابية الحالية،حتى لو اقتضى الأمر اعتماد نظام انتخابي في دورتين.
هناك ضرورة العمل من أجل مراجعة التقسيم الانتخابي في أفق مراعاة جانب القرب.
منطق القبيلة ما يزال حاضرا بقوة وهو معطى لا ينبغي تجاهله. دعم سياسة القرب مهم ، من ثمة ينبغي ربما إعادة فتح النقاش حول نمط الاقتراع. الفردي الأحادي يبقى هو المناسب، ولابد من تقييم تجربة النظام اللائحي الذي يطرح عدة إشكاليات، نط الاقتراع الفردي فعال لانه يعطي الأهمية لبعد القرب.
ويبقى الأهم ، كذلك، هو إعادة الاعتبار للأحزاب. التنظيمات السياسية لها رسالة ووظيف مهمة في مجالات التأطير وتمثيل المواطنين واقتراح الحلول للمشاكل والتحديات المطروحة، لكنها تبدو في الكثير من الأحيان وكأنها عاجزة عن القيام بوظائفها. ثمة زعامات حزبية مهترئة ولا تتوفر على بعد النظر، وكأنها تشتغل على المدى الراهن ووفق مصالح وحسابات سياسية ضيقة. يجب تعزيز دور الأحزاب السياسية ومنحها الإمكانيات الضرورية، ودعمها لتغطي كافة التراب الوطني بمكاتب حقيقية.
أخيرا، هناك خمسة مليون مغربي مقيمين بالخارج ينبغي الاهتمام بهم ومنحهم التمثيلية داخل المؤسسة التشريعية. يجب ، في هذا الإطار، إعادة فتح نقاش المشاركة السياسية لمغاربة العالم.

فيما يخص إعداد النموذج التنموي الجديد، ماهي في نظركم ، الأمور والقضايا ذات الأولوية التي ينبغي استحضارها ومراعاتها؟

فيما يخص النموذج التنموي الجديد، ينبغي التفكير، أساسا، في الأولويات المطروحة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية. ثمة حاجة إلى استلهام واعتماد نموذج يمنح الأولوية للعنصر البشري، والتنمية المستدامة، ومواجهة المعضلات الاجتماعية الكبرى مثل الفقد والهشاشة والبطالة.
يجب مراعاة التوزيع الجغرافي للمشاريع، أتمنى ان تتم مراجعة القانون التنظيمي للمالية، لا يعقل ان يمنح البرلمان للحكومة شيكا على بياض لتسطير برنامج يخدم أجندة سياسية دون اعتبار التوزيع الجغرافي للمشاريع ولا المناطق الأقل نموا.
ينبغي أن نستلهم تجارب بعض البلدان، مثل ماليزيا و تركيا ونكيفها مع واقعنا. لقد تحققت أمور إيجابية، وبذلت جهود استثمارية، لكن المشاريع مبعثرة وقليلة النجاعة، يجب التركيز على إحداث مناطق صناعية حقيقية مع مراعاة خصوصية كل منطقة،( الصناعة التحويلية، التقليدية،…) بالإضافة إلى تقوية الجماعات المحلية، لا تنمية بدون جماعات محلية قوية.

لقد تحدث خطاب العرش عن العدالة الاجتماعية والمجالية وضرورة كسب هذا الرهان لاستكمال بناء مغرب الأمل والمساواة للجميع كما ورد في الخطاب الملكي، مغرب لامكان فيه للتفاوتات الصارخة، ولا للتصرفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع، وإهدار الوقت والطاقات. هذه مسألة جوهرية ينبغي استحضارها والعمل بها خلال إعداد النموذج التنموي.
الأمر يستدعي مراجعة المنطق السائد المبني على التمركز الشديد للمشاريع في مناطق محددة، لأن الهدف هو تمكين كل المناطق من الاستفادة من المشاريع التنموية، والنهوض بالتشغيل ومحاربة البطالة جهويا واقليميا عن طريق خلق مشاريع قادرة على الإسهام في الجهد التنموي وامتصاص البطالة، فالعدالة المجالية والترابية تقتضي الاهتمام بالهامش ومعالجة المشاكل التي تعانيها العديد من الجهات والمناطق، في مقدمتها البطالة والتأخر الاقتصادي والتنموي، وتقليص الفوارق على كافة المستويات