***   يٌعتبر اليوم الوطني للمهاجر، الذي يصادف عاشر غشت من كل سنة، مناسبة لتقييم السياسة العمومية في مجال الهجرة و استحضار واقع مغاربة العالم من كل الجوانب، ويأتي الاحتفاء بهذا اليوم لهذه السنة في إطار ظرفية استثنائية تتسم بتفشي وباء كورونا وتداعياته على مختلف الجوانب الصحية و الاجتماعية والاقتصادية… ما هو تقييمكم للمقاربة الحكومية لموضوع مغاربة العالم؟

** الأمر لا يتعلق باليوم الوطني للمهاجر بمعناه الواسع، الذي يشمل كذلك المهاجرين المقيمين بالمغرب، ولكن الأمر يقتصر فقط  على الجالية المغربية المقيمة في الخارج، ويتم الاحتفاء بهذا اليوم منذ صيف عام 2003. لقد تميزت السنة الماضية،  أولا وقبل كل شيء، على المستوى المؤسساتي باستمرار التغيير الذي لحق اسم القطاع الوزاري الذي يدبر ملف المغاربة المقيمين بالخارج. فإذا كان لدينا، في عهد حكومة العثماني الأولى، وزيرا منتدبا للمغاربة المقيمين في الخارج وشؤون الهجرة، مع  اختصاصات وصلاحيات واسعة، فإنه مع حكومة العثماني الثانية المعينة في 9 أكتوبر 2019 ، نجد أن نزهة الوافي، المنتمية إلى العدالة والتنمية، أصبحت الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج ، دون أن نعرف مآل “شؤون الهجرة”، الذي كان متضمنا في التسمية السابقة للوزارة، ولا الجهة التي أصبحت  تتولى الإشراف عن هذا القطاع (شؤون الهجرة).وكان علينا أن ننتظر  ثمانية أشهر،  أي في منتصف ماي 2020 ، وفي عز الحجر الصحي المفروض ،  لنتعرف على مضامين المرسوم المتعلق باختصاصات الوزيرة المنتدبة ، بحيث أنها وُضعت تحت الوصاية الكاملة للوزارة الأم ، مع هامش تحرك محدود ، في إطار دور تمثيلي بسيط للغاية. من هذا المنطلق، ظل تدبير قطاع المغاربة المقيمين بالخارج يطرح إشكالية منذ البداية.لكن هذا التدبير وُضع في أزمة أكبر بسبب  كوفيد -19 الذي ينبغي التذكير بأنه وباء عالمي، وأن تدبير الأزمة الصحية يندرج في صميم السلطات العمومية لكل بلد على حدة. وإذا كان تدبير الوضع الصحي في البلدان التي توجد بها نسبة كبيرة  من المغاربة ،  يعتبر من صميم مسؤولية السلطات العامة في هذه الدول حيث تدبير الوضع يتم دونما أي تمييز  بين المواطنين ، فإن الحال يختلف بالنسبة للمغرب اتجاه مواطنيه الذين يقيمون بشكل قانوني في الخارج ،  والذين تصادف وجودهم بالمغرب مع بداية انتشار الوباء، بحيث ظلوا عالقين في المغرب لمدة أربعة أشهر على الأقل ، بسبب الإغلاق الشامل لحدود البلاد ، مما حال دون التحاق هؤلاء ببلدان الإقامة.وبصرف النظر عن جزء كبير من الأشخاص المزدوجي الجنسية الذين تمكنوا من العودة إلى بلدان الإقامة بعد تدخل حكومات البلدان المعنية ، فقد عانى حوالي 40 ألف شخص هذا الوضع بشكل سيئ للغاية ، مع ما ترتب عن ذلك من مشاكل إنسانية مختلفة: الأطفال والأشخاص الذين يزورون أجدادهم أو عائلاتهم المنفصلين عن آبائهم في الخارج ، وكبار السن الذين يعانون أمراض خطيرة محرومين من المراقبة الطبية المنتظمة ، وفقدان العمل و / أو الحقوق الاجتماعية لبعض المأجورين ، وصغار التجار المصابين. وإذا كانت الإجراءات المختلفة التي اتخذها المغرب لمكافحة كوفيد 19 قد لقيت استحسانًا بشكل عام في المغرب وعلى المستوى الدولي ، فلا يمكن قول الشيء نفسه عن الطريقة التي تمت بها إدارة ملف المواطنين المغاربة الذين كانوا في إطار سياحة في المغرب ، ففي حين أن السائحين الأجانب الذين كانوا في المغرب أعادتهم حكوماتهم  إلى بلدانهم بمساعدة السلطات المغربية ، فإن المغاربة المقيمين بشكل قانوني خارج المغرب ظلوا عالقين في المغرب دون أسباب صحية مبررة. كان من المفترض أن لا  تشكل عودتهم إلى بلدان الإقامة  أي “مشكلة”، خاصة وأن المسؤولين في بلدان إقامتهم وافقوا على إعادتهم واستقبالهم.  الافتقار التام وغير المفهوم للتواصل من قبل الحكومة المغربية تجاه المغاربة العالقين، عمل غير مقبول بالنسبة إلى تدبير الأزمة  الصحية في المغرب ، في الوقت الذي كان لتدبير الأزمة الصحية العديد من الجوانب الإيجابية.كل ذلك أدى إلى تعميق الشرخ بعدم الثقة لدى مغاربة العالم  تجاه الحكومة المغربية والمؤسسات، ولا سيما البرلمان ، حيث أظهرت عجزا في الإسهام في حل المشكلة ، أو مجرد تقديم خطة تواصلية فعالة ، تاركين لدى المعنيين الشعور بمواطنة مهينة جدا. إن استعادة الثقة من خلال سن تدابير وإجراءات قوية، أصبحت ضرورة ملحة ولا غنى عنها. من بين هذه الإجراءات التي تهدف إلى “إصلاح” هذا الخطأ الذي لا يقبل الجدل من جانب الحكومة ، يبدو أن هناك حاجة إلى تحقيق فعالية الحقوق السياسية  للمواطنين المغاربة المقيمين في الخارج ، ولا سيما حقهم في  المشاركة في العملية الانتخابية، ترشيحا وتصويتا، وانتخاب من يمثلونهم في البرلمان انطلاقا من بلدان الإقامة، وفقًا للمادة 17 من الدستور والقرارات المعلنة في خطاب التأسيس بتاريخ 6 نوفمبر 2005.

*** انطلقت المشاورات بين الحكومة والهيآت السياسية بشأن الترتيبات المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهو ما يثير مجددا سؤال المشاركة السياسية لمغاربة العالم وحقهم في الانخراط في العمليات الانتخابية… كيف تقيمون عمل الحكومة في هذا المجال؟

**دعونا لا نضيع الوقت في التعليق على مواقف الأحزاب السياسية من   مسألة المواطنة، مواطنة المغاربة المقيمين بالخارج وضرورة ضمان إعمال حقهم في التمثيل في مجلس النواب من خلال الدوائر الانتخابية التشريعية انطلاقا من الخارج . فمقترحاتها لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى مستوى التطلعات وإلى مستوى المشكلة المطروحة. كما أننا لا نتوقع الشيء الكثير من الحكومة أو حتى البرلمان .منذ 16 يونيو 2006 ، عندما أصبح المحتوى المبتكر والتقدمي للخطاب الملكي في 6 نوفمبر 2005 موضع تساؤل من خلال تبني ما كان يسمى بالنهج “التدريجي” أو “التقدمي” ، لم تُسهم الحكومات والأغلبيات  المتعاقبة بأي حال من الأحوال في إيجاد حل إيجابي للمسألة ، بعيدًا عن ذلك ، وليس لدينا الآن السذاجة في ما يخص انتظار الحل من هذا “الحوار السابق للانتخابات” بين وزارة الداخلية والأحزاب السياسية المغربية. دعنا نتوجه إلى صميم الموضوع. يكمن حل المشكلة في الإرادة السياسية الراسخة للدولة ، وأعني تحديدا التحكيم الملكي ، الذي يجعل من الممكن إعادة توجيه وتأطير عمل  السلطات العمومية في هذا الشأن.  إن المفتاح الذي يفتح أبواب المستقبل يوجد بيد جلالة الملك.وحده صاحب الجلالة هو الذي يمكنه معالجة الوضع من خلال منح المواطنين المغاربة الذين يعيشون في الخارج حقوقهم السياسية كاملة. المادة 17 من الدستور ، الذي جرى تحيينه  في يوليوز 2011 ، موجودة ، كما أن الخطاب الملكي التاريخي ليوم 6 نوفمبر 2005  ما يزال يحظى بالراهنية، لأنه تعبير عميق عن القناعة الديمقراطية لجلالة الملك.وبالتالي، فإن الأمر يتعلق بإكمال عمل المصالحة الوطنية الذي شُرع فيه في ظل العهد الجديد، اتجاه المواطنين المغاربة في الخارج.   هناك شعور كبير بالحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة ومتماسكة ومتكاملة، والتي من شأنها أن تعطي معنى للإجراءات المتخذة اتجاههم.في هذا الصدد ، وعلى الرغم من أن خطاب العرش لعام 2015  ذكر رسميا ومجددا بضرورة بلورة هذه الاستراتيجية الوطنية ، فإنه  لم يتم عمل شيء في هذا الصدد. من ناحية أخرى ، ثمة استعمال حيل خادعة   فيما يتعلق بـ “كوم” ، توهم المرء بالاعتقاد بوجود استراتيجية وطنية خاصة بمغاربة العالم.لقد تم نشر نص الإستراتيجية المفترضة على الموقع الرسمي لقطاع الجالية منذ عام 2016 عمليًا (!!!). ويكفي للمرء فقط أن يطلع عليها لكي يدرك حجم التضليل الذي أقيم كأساس للسياسة الحكومية الرسمية تجاه المغاربة المقيمين بالخارج. حتى ما يجب أن يشكل جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية ، وهو  ضرورة إعادة تأهيل جميع المؤسسات الوطنية العاملة في مجال مغاربة العالم، لم يتم إنجازه ، سواء تعلق الأمر بالمشاكل الهيكلية والخلل الوظيفي لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، أو بمجلس الجالية ، بالإضافة إلى التفعيل الضروري للمادة 163 من الدستور. وبالمثل، وتبعا لذلك، ثمة أسئلة أساسية تبقى مطروحة، من قبيل: ماذا يعني أن تكون مواطنا مغربيا بالخارج ، ماذا تعني الجنسية المزدوجة للمغاربة المقيمين بالخارج …؟

*** لقد أثرتم، أخيرا، موضوع البحث المغربي حول الهجرة وإقامة شراكة علمية ضرورية بين باحثي الهجرة من مختلف التخصصات والجهات المؤسسية المختلفة المشاركة في مجال الهجرة ، سواء تعلق الأمر بالمغاربة المقيمين بالخارج  أو بالمهاجرين واللاجئين في المغرب. في الوقت نفسه ، عبرتم عن احتجاجكم بشدة في إطار النقاش العام ، ضد ما سميتموه الأسلوب  “التمييزي” ،  الذي واكب إنشاء اللجنة الوطنية المغربية للشبكة الأكاديمية لشمال إفريقيا للهجرة، من  طرف الوزارة المنتدبة. بماذا تفسرون احتجاجكم وماذا كانت تداعياته؟

**إنها مبادرة اتخذتها مديرية التعاون والدراسات والتنسيق بين القطاعات التابعة للوزارة المنتدبة، لإنشاء لجنة وطنية مغربية للشبكة الأكاديمية لشمال إفريقيا حول الهجرة. هذه الشبكة بالفعل تخص خمس دول هي المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر. إنه جزء من مشروع، لا تخفى على أحد هواجسه وأبعاده الأمنية، يشرف عليه ويموله الاتحاد الأوروبي ويتم مراقبته من حيث التطبيق من قبل معهد أوروبي مقره في فيينا بالنمسا. هذه اللجنة الوطنية ، التي تشكلت في سرية ، تضم أربع مؤسسات ، وهي مديرية التعاون بالوزارة المنتدبة ، ومديرية أوروبا بوزارة الخارجية ، ومجلس الجالية المغربية بالخارج ،  والمندوبية السامية للتخطيط ، بالإضافة إلى مجموعة متعددة التخصصات من الباحثين المغاربة في مجال الهجرة. هذه اللجنة الوطنية المكونة من مجلس علمي و أربع لجان دائمة هي، عمليا، تشكيل مسبق، حتى لو لم يُذكر بالاسم ، لمرصد الهجرة الوطني المرتقب والذي تظهر جليا ضرورة انشائه علي المستوى الرسمي  ليكون على وجه الخصوص  هو المخاطب بالنسبة للمغرب للمرصد الافريقي للهجرة، الذي من المنتظر أن يتم تنصيبه من قبل الاتحاد الافريقي بالرباط بعد تجاوز الأزمة الصحية مباشرة.لهذا السبب ، ولأخذ زمام المبادرة وفي  إطار عملية متسرعة ، لم يتم إبلاغ حتى هؤلاء الفاعلين المركزيين في مجال الهجرة بالمبادرة، مثل وزارة الداخلية ومرصد الهجرة الوطني التابع لها (حتى لو كان هذا معطل) أو مؤسسة الحسن الثاني للجالية المغربية المقيمة بالخارج (مرصد الجالية المغربية المقيمة بالخارج) ، حتى لو كان هذا  يعاني أيضًا من خلل وظيفي. ومع ذلك ، وبدلاً من السعي إلى التنسيق بما يخدم المصلحة الوطنية ، فضلت مديرية التعاون في الوزارة المنتدبة المضي قدماً بمفردها.وبالمثل ، فقد أقصت عددا كبيرا من الباحثين عن الهجرة الأوائل (اقتصاديين وقانونيين وذوي تخصصات أخرى) لأن بعضهم انتقد في بعض الأحيان جوانب معينة من سياسات الهجرة المغربية ، وبالتالي فقد تم نهج أسلوب تمييزي لا مكان له في المغرب ، فالمغرب ملك لجميع بناته أبنائه.وقد تم إبلاغ الوزيرة المنتدبة المكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج كتابياً بهذه الممارسات. وينطبق الشيء نفسه على رئيس الحكومة ، ولكن لم يتم التفاعل مع مراسلاتنا، إلى حدود الساعة.

*أستاذ جامعي خبير متخصص في قضايا الهجرة