قال محمد بشير الراشدي، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إن آفة الفساد تشكل إحدى العقبات الأساسية التي تعيق التنمية والاستقرار في أي بلد، إذ تؤدي إلى إضعاف السياسات العمومية والمخططات والبرامج التنموية وتقويض حقوق المواطنين في التمتع بحقوقهم الأساسية، كما تسبب في عرقلة الاستثمار والمبادرة الحرة.  

وأضاف الراشيدي، في افتتاح الورشة الإقليمية حول الابتكار في الوقاية من الفساد، المنظمة من طرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالتعاون مع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها وبالشراكة مع الوكالة الكورية للتعاون الدولي،  أمس الثلاثاء بطنجة، أن هذه الظاهرة أصبحت أكثر تفشيا وتعقيدا، وتأثيرها أكثر ضخامة وحدة على اقتصاد الدول بحكم اختراق المفسدين لكل ثغرات نظم التدبير العمومي واستغلال الإمكانيات الهائلة التي يتيحها النمو التكنولوجي وتطور الآليات والشبكات المالية العالمية، وتداخل مصالح وطرق عمل هؤلاء المفسدين، كما أكدت ذلك مجموعة من الدراسات والتقارير الدولية.

وأبرز الراشيدي في هذا السياق، أن قيمة  الرشاوى المدفوعة سنويًا عبر أنحاء العالم، وفقًا لصندوق النقد الدولي، تقدر ما بين 1.500 و 2.000 مليار دولار، أي ما يمثل حوالي 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. فيما يمثل اختلاس الأموال العامة حوالي 2.600 مليار دولار، بما يناهز  من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. 

وبحسب المتحدث، فقد ترتفع التكلفة الإجمالية  الناتجة عن هذه الممارسات إلى معدلات أكبر، إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار الانعكاسات الغير مباشرة لهذه الآفة. 

وإضافة للتكلفة الاقتصادية الباهظة، وقع  إجماعٌ دولي، على أن الفساد يُساهم في المس بقواعد الديمقراطية، وفي تقويض سيادة القانون، وفي الحد من الولوج للموارد والتوزيع العادل للثروات، وتكريس الهشاشة الاجتماعية والمجالية. كما يؤدي إلى تدني منسوب ثِقة المواطنين في المؤسسات والمس بالأمن والاستقرار. 

وأكد الراشيدي أنه انطلاقا من هذه القناعة، فقد صار اليوم من أبرز أولويات الدول التي لم يعد بالإِمكان تأجيلُها، تقديم أجوبة عملية للمواطنين من خلال العمل على تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وضمان الحريات، لاسيما في ظل سياق إقليمي ودولي، يتميز بوضع مطلب القضاء على الفساد والحد من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والمجالية الناجمة عنه، على رأس مطالب هؤلاء المواطنِين.  

 وقال الراشيدي  إن المغرب أدرك بشكل استباقي الأخطار الحالية والمستقبلية لآفة الفساد ونتائجها الوخيمة، الأمر الذي جعله  ينخرط منذ سنين في ورش تخليق الحياة العامة، باعتماد سياسات عمومية تميزت بنجاحات وإخفاقات، وبالتدرج في المقاربة على مدى مراحل متميزة، انطلقت من المقاربة الزجرية الصرفة منذ سنة 1962 في سياق تجريم أفعال الفساد في مجموعة القانون الجنائي وإحداث محكمة العدل الخاصة للنظر في هذه الجرائم، إلى المقاربة التخليقية التي تأسست مع إحداث لجنة وطنية لتخليق الحياة العامة سنة 1999، لتتبنى المقاربة الشمولية المندمجة وفق متطلبات الدينامية الدولية لمكافحة الفساد مع الإعلان عن استراتيجية وطنية لمحاربة الفساد سنة 2015، ترتكز في مقاربتها على الوقاية والزجر والتربية والتواصل، والتي مكنت من القيام بمجموعة من الإصلاحات بغاية تسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية وتبسيط المساطر ونشرها ورقمنتها.  

وأوضح الراشيدي أنه بعدما أكدت السلطات العليا في البلاد تصميمها على إعطاء دفعة جديدة لتقوية وتتميم التنزيل الأمثل لأحكام دستور 2011، أصبح ورش مكافحة الفساد في المغرب ذا أولوية قصوى، مما جعله يعرف اليوم منعطفا حاسما ونقلة نوعية جديدة. ويأتي هذا التوجه في ظل الارتباط الوثيق بالنموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه صاحب الجلالة، والذي انخرطت سائر القوى والفعاليات المجتمعية في استجلاء متطلباته، والذي يتخذ من مكافحة الفساد وتعزيز قيم النزاهة والشفافية إحدى ركائزه الأساسية، لترسيخ التزام المملكة بمواجهة الفساد كخيار حاسم لمواصلة ورش الإصلاحات الديمقراطية والمؤسسية والحقوقية والتنموية والمجتمعية، والتربوية على قيم المواطنة الملتزمة، وحماية حقوق الإنسان والنهوض بها، وترسيخ الحكامة الجيدة وتخليق الحياة العامة.  

إلى ذلك، وضمن هذا التصور الشمولي،  أكد الراشيدي أن الهيئة الوطنية تسعى إلى تنزيل رؤية شاملة ومتعددة الأبعاد، تعتمد أساسا علىتعميق المعرفة الموضوعية بالظاهرة، من خلال هيكلة المرصد الذي سيتولى تجميع ودمج وتحليل مختلف المعطيات ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بظاهرة الفساد، وتنشيط السياسات العمومية لمحاربة الفساد والوقاية منه، من خلال التوجيه والمواكبة والإشراف والتنسيق وضمان تتبع تنفيذ السياسات العمومية المتعلقة والسهر على انسجامها والتقائيتها، و تتبع الآليات والاتفاقيات الدولية، وإرساء أسس اليقظة القانونية والعمل على مواكبة ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية وتقوية الحضور الوطني والمشاركة الفعالة في جميع المبادرات والآليات الدولية.